الشيخ محمد رشيد رضا
437
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مرضيا لديه ( وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَلَسَوْفَ يَرْضى ) ولعل أصل ابتغاء الوجه بالعمل هو ان يعمل ليواجه به من عمل لأجله فيعتنى باتقانه ما لا يعتنى باتقان ما يعمل ليرسل إلى من عمل له أو لأنه مطلوب في الجملة من غير أن يلاحظ العامل ان من يعمله له يراه ، فضلا عن كونه هو الذي يعرضه بنفسه على من يريد التقرب اليه به . وذلك ان الاعمال التي تعمل للملوك والامراء منها ما لا يرونه البتة كأن يكون لما لا يطلعون عليه من أعمال الخدمة في قصورهم ، ومنها ما يرونه رؤية اجمالية مع كثير من أمثاله ، وما يرونه منها يعرضه عليهم عمالهم وحجابهم ، ومنها ما قد يعرضه العامل بنفسه ويقابل وجه الملك به ، ولا شك ان هذا النوع من العمل هو الذي يعتنى به أكمل الاعتناء ولا يفكر العامل له في وقعه عند الحجاب أو الوزراء أو غيرهم من بطانة الملك أو حاشيته لعلمه بأنه هو الذي سيعرضه عليه ويلقاه به ، فيكون همه محصورا في جعله مرضيا عنده جديرا بقبوله وحسن الجزاء عليه . ولا يغرنك ما تخيله بعض الصوفية من جعل ابتغاء ثواب اللّه تعالى منافيا لابتغاء مرضاته أو ابتغاء وجهه فالحق ان لا منافاة وان الكمال في الجمع بين الامرين ، وان العمل لأجل الذات التي يفسرون بها الوجه مع عدم قصد الرضاء ولا الثواب من النظريات التي لا يسهل إثبات إمكانها ولا مشروعيتها ، ولا ينكر ما يعرض لبعض الناس من الأحول النفسية التي تحصر تخيلهم فيها ، حتى يظنوا انها حقيقة ثبتة في نفسها ، وصاحب تلك الحال لا يعرف حقيقة الذات ولا يعقل معنى كون العمل لها ، نعم ان من الواقع الذي لا ينكر أن يقصد العامل بعمله النجاة من عقاب النار ، أو الفوز بنعيم الجنة ، وان هذا حسن ومحمود شرعا ، ولكنه دون مرتبة الكمال الذي هدى اليه القرآن وهو ان يقصد المؤمن بالعمل الصالح تزكية نفسه وتكميلها لتكون أهلا للقاء اللّه ومحلا لمرضاته وثوابه في دار كرامته ، وأعلى الثواب رضوان اللّه تعالى وكمال العرفان والعلم به المعبر عنه في الأحاديث الشريفة برؤية وجهه الكريم ، بلا كيف ولا تشبيه ولا تمثيل ، وقد قربنا هذا المعنى العالي في باب الفتوى من المنار فيراجع فيه ، ولعلنا نعود اليه في التفسير .